فوزي آل سيف
39
كاظم الغيظ الإمام موسى بن جعفر عليه السلام
وربما يتصور أن جملة «وهو محبوس في سجن هارون بقي فيه أربع سنين» تعود على علي بن يقطين حيث هو المترجَم، إلا أن هذا غير صحيح لأن عليًّا بن يقطين لم يمت محبوسًا في السجن، بل إن الإمام الكاظم عليه السلام ضمن له وقد كان يقضي حوائج المؤمنين من موقعه في وزارة هارون أن لا يظله سقف سجن[91]أبدا.. فكيف يكون مسجونًا أربع سنين ومات فيه؟. والعبارة التي ذكرها شيخ الطائفة الطوسي في اختيار معرفة الرجال هي أوضح مما ذكره النجاشي، وأصرح ولا يتطرق إليها احتمال أن الكلام يعود على علي بن يقطين، فإنه رحمه الله قال: “علي بن يقطين مولى بني أسد، وكان قبل يبيع الابزار وهي التوابل، ومات في زمن أبي الحسن موسى عليه السلام، وأبو الحسن محبوس سنة ثمانين ومائة، وبقي أبو الحسن عليه السلام في الحبس أربع سنين، وكان حبسه هارون”.[92] وبهذا نرى أن ما ذكر من كون مدة سجنه 24 سنة، مما لا دليل عليه ظاهرًا، ومثل ذلك القول بأنها كانت 18 سنة أو 14 سنة. ولا يعني ذلك أننا نريد أن نخفف من جريمة السلطة العباسية وبالذات هارون فإننا قد قدمنا القول بأن سجن الإمام عليه السلام ولو ليوم واحد هو جرأة على الله سبحانه في أوليائه، فضلا عن الأشهر والسنوات. لكن مقتضى النظر والتأمل في النصوص التاريخية ينتهي إلى هذا المعنى. بقي أن نقول إن هناك رواية ذكرها الشيخ الصدوق في عيون أخبار الرضا ربما يستفيد منها البعض أن سجن الإمام كان 13 أو 14 سنة: قال: كانت لأبي الحسن موسى بن جعفر عليهما السلام بضع عشرة سنة كل يوم سجدة بعد انقضاض الشمس إلى وقت الزوال فكان هارون ربما صعد سطحًا يشرف منه على الحبس الذي حبس أبو الحسن عليه السلام فكان يرى أبا الحسن عليه السلام ساجدًا فقال للربيع: يا ربيع ما ذاك الثوب الذي أراه كل يوم في ذلك الموضع؟! فقال: يا أمير المؤمنين ما ذاك بثوب وإنما هو موسى بن جعفر عليهما السلام له كل يوم سجدة بعد طلوع الشمس إلى وقت الزوال قال الربيع: فقال لي هارون: أما إنّ هذا من رهبان بني هاشم قلت: فما لك قد ضيقت عليه الحبس قال: هيهات لا بد من ذلك![93] بتقريب أنه إذا كان له بضع عشرة سنة وكل يوم في هذه السنوات له سجدة.. فهذا يعني أن فترة سجنه لدى الربيع أكثر من ثلاث عشرة سنة! وأول ما في هذه الرواية أن سندها غير تام بغير واحد ممن وردت أسماؤهم، وأن الثوباني الذي هو قائل الخبر غير متميز فإنه لم يقع في سند أي رواية أخرى في كتب الصدوق، فهل هو علي بن سالم الذي لم يذكروه كما في مستدركات علم الحديث؟ أو هو هدبة بن خالد الذي وصفه النسائي بالضعيف أو هو عمار بن مروان الثقة كما في معجم السيد الخوئي؟
--> 91 الطوسي، اختيار معرفة الرجال ٢/ ٣١٥، قال أبو الحسن عليه السلام لعلي بن يقطين: اضمن لي خصلة أضمن لك ثلاثا فقال علي: جعلت فداك وما الخصلة التي أضمنها لك؟ وما الثلاث اللواتي تضمنهن لي قال، فقال أبو الحسن عليه السلام: الثلاث اللواتي أضمنهن لك: ألا يصيبك حر الحديد أبدًا بقتل، ولا فاقة، ولا سجن حبس، قال، فقال علي: وما الخصلة التي أضمنها لك؟ قال، فقال: تضمن ألا يأتيك وليٌّ أبدًا الا أكرمته، قال فضمن عليٌّ الخصلة وضمن له أبو الحسن الثلاث. 92 نفس المصدر ٣١٣ 93 الصدوق، عيون أخبار الرضا ١/ ٨٨